الشيخ محمد علي الأراكي

9

أصول الفقه

فمن يفعل الظلم فهو علاوة على ابتلائه بأثر الظلم - وهو ظلمة الباطن مثلا - يذمّه العقلاء ويرونه مستحقّا للضرب والشتم ، وهذا بخلاف دفع الضرر ؛ فإنّه أمر قد جبلت النفوس عليه ، فإنّ النفوس مجبولة على دفع المكاره عن أنفسها لحبّها بها ، حتى الحيوانات . فلو فرض أنّ أحدا تحمّل الضرر وأوقع نفسه في مظانّه غير مبال بتضرّره ، فليس في هذا العمل سوى نفس هذا الضرر الذي أوقع نفسه في مظنّته ، وليس ورائه شيء آخر من ذمّ العقلاء والاستحقاق لسياسة المولى ، كيف ولا ضرر أعظم من دخول النار ، فلو فعل أحد ما يوجبه فدخل النار فليس في هذا الفعل إلّا نفس هذا الضرر ، لا أنّه مستحقّ لدخول نار آخر عقوبة على إقدامه على العمل الذي عاقبته دخول النار . فتحصّل أنّ الضرر الأخروي تكون قاعدة قبح العقاب بلا بيان دافعا له ، والضرر الدنيوي وإن لم تكن القاعدة دافعا له ، ولكنّ الإقدام عليه لا يورث العقاب كما يورثه الإقدام على الافعال القبيحة في نظر العقل ، بل نقول على تقدير الإيراث أيضا لا يجدي بالمدّعى ، فإنّه مستحقّ حينئذ للعقوبة من جهة هذا القبيح الذي ارتكبه أعني الإقدام على محتمل المفسدة ، وأين هو من الاستحقاق على القبيح الواقعي المحتمل . ولا يخفى أنّ ما ذكرنا من عدم إيراث الإقدام على الضرر للعقاب إنّما هو مع قطع النظر عن تحريم الشرع إيّاه وأنّ العقل بنفسه لا يستقلّ على الاستحقاق ، بل يستقلّ على عدمه ، وأمّا مع النظر إلى « 1 » حكم الشرع بتحريم بعض أقسام الضرر

--> ( 1 ) - وحاصل هذا الكلام إمكان التّمسك بالأدلّة الشرعية الواردة في تحريم إلقاء النفس في الضرر مثل آية « وَلا تُلْقُوا » وأمثالها ، وحاصل الجواب أنّ الضرر والتهلكة التي يكون الإلقاء فيها بمقتضى الآية محرّما إن كانت هو العقاب الأخروي فهو لا بيان عليه ، والحكم المذكور في الآية أيضا لا يمكن أن يحقّق موضوع نفسه ، وإن كانت هو المصلحة والمفسدة اللتين يقول بهما العدليّة فأوّلا